أبي نعيم الأصبهاني

93

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

فكيف بالمقبلين إلى . قيل رحمك اللّه ما الذي أفاد قلوب العارفين وأهل العقل عنه في مخاطبة الآية ؟ قال : تلقوا المخاطبة من اللّه بقوة الفهم عن اللّه حتى كأنهم يسمعون منه وأنه أقرب إليهم في وقت البلاء من أنفسهم إلى أبدانهم ، فعلموا أنهم بعينه فقووا على إقامة الصبر والرضا في حالة المحن إذ كانوا بعين اللّه ، واللّه تعالى يراهم ، فحين أسقطوا عن قلوبهم الاختيار والتملك باحتيال قوة ، ولجوا إليه وطرحوا الكنف بين يديه ، واستبسلت جوارحهم في رق عبوديته بين يدي مليك مقتدر ، فشال عند ذلك صرعتهم ، وأقال عثرتهم ، وأحاطهم من دواعي الفتور ، ومن عارض خيانة الجزع ، وأدخلهم في سرادق حسن الإحاطة من ملمات العدو ونزغانه وتسويله وغروره ، فأسعفهم بمواد الصبر منه ، ومنحهم حسن المعرفة والتفويض ، ففوضوا أمورهم اليه وألجئوا إليه همومهم ، واستندوا بوثيق حصن النجاة رجاء روح نسيم الكفاية ، وطيب عيش الطمأنينة وهدو سكون الثقة ، ومنتهى سرور تواتر معونات المحنة ، وعظيم جسيم قدر الفائدة ، وزيادات قدر البصيرة ، وعلموا أنه قد علم منهم مكنون سرهم ، وخفى مرادهم ، ويكون ما حصل في القلوب من يقينهم وما شارت اليه في بواطن أوهامها ، وسر غيبها ، فعظم منهم حرص الطلب ، وغاب منهم مكامن فتور الجد لمعرفة المعذرة فيهم . فهؤلاء في مقامات حسن المعرفة وحالات اتساع الهداية ، وحسن بهاء البصيرة ، فاعتزوا بعزة الاعتماد على اللّه . فقال له السائل : حسبي رحمك اللّه ، فقد عرفتني ما لم أكن أعرف وبصرتنى ما لم أكن أبصر ، وكشفت عن قلبي ظلمة الجهل بنور العلم ، وفائدة الفهم ، وزيادات اليقين ، وثبتني في مقامي ، وزدتنى في قدر رغبتي ، وروحتنى من ضيق خاطري . فأرشدك اللّه إلى سبيل النجاة ، ووفقك للصواب بمنه ورأفته إنه ولى حميد . * أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني قال سمعت الجنيد يقول سمعت أبا عبد اللّه الحارث بن أسد يقول - وسئل عن المراقبة للّه وعن المراقب لربه - فقال : إن المراقبة تكون على ثلاث خلال ،